خلال جلسة حوارية في "الشارقة الدولي للكتاب" 2026
الشارقة، 6 نوفمبر 2026
أكد كتّاب وروائيون أن الواقع المعاصر، بما يحمله من أحداث متسارعة وتناقضات ومفارقات تتجاوز حدود الخيال، بات يضع الرواية أمام تحديات غير مسبوقة، ويفرض على المبدعين إعادة النظر في أدواتهم وأساليبهم السردية، وابتكار أشكال أدبية قادرة على استيعاب تعقيدات الحياة وفوضاها، في وقت أصبح فيه إقناع القارئ وإدهاشه أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "الواقع أكثر جنوناً من الرواية"، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، بمشاركة الروائي والأكاديمي العراقي خضير الزيدي، والكاتبة والروائية الإماراتية فتحية النمر، والمؤرخ والكاتب الفلبيني أمبيث أوكامبو، الذين قدموا رؤى مختلفة حول العلاقة بين الحقيقة والخيال، وحدود حرية الروائي في ابتكار عوالم تتجاوز منطق الواقع.
واعتبر الروائي العراقي خضير الزيدي أن الرواية المعاصرة تقف أمام مأزق حقيقي يتمثل في تفوق الواقع على الخيال، مشيراً إلى أن الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، وما يصاحبها من أزمات وكوارث، جعلت الواقع أكثر درامية وإثارة من كثير من الأعمال الروائية، الأمر الذي يفرض على الكتّاب إعادة النظر في أدواتهم وأساليبهم السردية.
وأوضح أن عنوان الجلسة يفتح الباب أمام تساؤلات فلسفية وإبداعية تتعلق بمستقبل الرواية، مستشهداً بكتاب "جوع الواقع" للكاتب ديفيد شيلدز، الصادر عام 2010، والذي يقدم نقداً حاداً للرواية التقليدية، ويدعو إلى أشكال أدبية أكثر التصاقاً بالواقع وأقل اعتماداً على التخييل.
وقال الزيدي إن الروائي في الماضي كان يستطيع الذهاب بعيداً في الخيال، وابتكار أحداث وشخصيات وعوالم فانتازية أو رومانسية أو درامية، بينما أصبح اليوم مطالباً بإيجاد توازن دقيق بين التخييل والمنطق، لأن القارئ المعاصر لم يعد مستعداً لتقبل أحداث لا يجد لها تفسيراً مقنعاً.
وأكد أن "القارئ يريد أن يصدق"، وأن فقدان المبررات المنطقية داخل العمل الروائي قد يدفع المتلقي إلى رفضه، حتى لو كان قائماً على خيال خصب، مشيراً إلى أن أزمة الرواية لا تتعلق فقط بتراجع الإقبال على القراءة، وإنما أيضاً بفقدان عنصر الدهشة الذي شكل على مدى عقود إحدى أهم أدوات الروائي في جذب جمهوره.
وتساءل عن قدرة الحكاية التقليدية، القائمة على البداية والصراع والذروة والنهاية، على مواكبة واقع لم تعد أحداثه تسير وفق تسلسل منطقي واضح، معتبراً أن الحياة المعاصرة تفرض على الروائي تفكيك الزمن وتعدد الأصوات وتداخل الوثائق والذكريات والوقائع، بحثاً عن شكل روائي جديد يستطيع احتواء الفوضى.

من جانبها، قدمت الكاتبة والروائية الإماراتية فتحية النمر قراءة مختلفة لفكرة تفوق الواقع على الخيال، انطلقت فيها من التساؤل عن سبب قدرة الحياة الواقعية على إنتاج شخصيات وتصرفات أكثر غرابة مما يمكن أن تتضمنه الروايات.
واستحضرت النمر مقولة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت "العقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، موضحة أن غالبية البشر يحتكمون إلى العقل والمنطق، إلا أن الواقع يضم أشخاصاً يخرجون عن القواعد المألوفة، ويتصرفون بحرية لا تخضع بالضرورة لتوقعات الآخرين.
وقالت إن المفارقة تكمن في أن الإنسان في الواقع يستطيع الخروج عن المنطق والتصرف بطرق غريبة أو مدهشة، بينما لا يمتلك الروائي الحرية نفسها، لأن العمل الأدبي يظل مطالباً بإقناع المتلقي، الذي قد يرفض الأحداث والشخصيات إذا وجدها غير معقولة أو تفتقر إلى التسلسل والترابط.
وأوضحت أن الكاتب يواجه أيضاً قيوداً تتعلق بالمحظورات الاجتماعية والسياسية والدينية، فضلاً عن اشتراطات دور النشر التي قد تتحفظ على الأعمال غير المألوفة أو الأفكار التي تسير عكس التيار، ما يجعل مساحة الحرية المتاحة للخيال الأدبي أضيق من تلك التي يتيحها الواقع نفسه.

بدوره، أكد المؤرخ والكاتب الفلبيني أمبيث أوكامبو أن التاريخ والخيال لا يقفان في مواجهة بعضهما، بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر، موضحاً أن المؤرخ يعتمد على الوثائق والأحداث المثبتة، بينما يمتلك الروائي حرية أوسع في إعادة تخيل الشخصيات والمواقف ومنحها مسارات جديدة.
وقال إن المؤرخ لا يستطيع تجاوز ما تثبته الوثائق التاريخية، في حين يستطيع الروائي أن يمنح شخصية تاريخية حياة أخرى، أو يعيد تشكيل شخصيتها ومصيرها، وهو ما يجعل الكتابة الروائية مجالاً مفتوحاً أمام احتمالات لا تسمح بها الكتابة التاريخية التقليدية.
ودعا أوكامبو الروائيين إلى العودة إلى الوثائق التاريخية واستكشاف ما تختزنه من حكايات وتفاصيل إنسانية، معتبراً أن التاريخ يضم قصصاً حقيقية قد تبدو أكثر غرابة وإثارة من الأحداث التي يبتكرها الخيال.













