أكدت أنها الأكثر مبيعاً واستعارة على مستوى العالم
الشارقة، 8 نوفمبر 2026
اصطحبت الكاتبة المتخصصة في أدب الجريمة والغموض نهى داود، جمهور معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، في رحلة إلى العالم الخفي للروايات البوليسية وأدب الجريمة، كاشفة أسرار كتابة هذا النوع الأدبي، والعناصر التي تجعل القارئ مشدوداً إلى صفحاته حتى الوصول إلى الإجابة عن السؤال الأهم: من فعلها؟.
واستهلت داود ورشتها "كتابة روايات الجريمة والغموض.. الخلطة السرية"، بطرح سؤال حول مواصفات الرواية الناجحة، مؤكدة أن العمل الأدبي المؤثر هو الذي يخاطب العقل والقلب معاً، ويجمع بين الإقناع المنطقي والتأثير الوجداني.
أدب الجريمة.. رحلة بين العقل والمشاعر
وأوضحت أن أدب الجريمة يُعد أكثر الأنواع الأدبية رواجاً، سواء من حيث المبيعات أو الاستعارة من المكتبات، مستشهدة بأعمال أجاثا كريستي التي تجاوزت مبيعاتها ملياري نسخة حول العالم.
وأضافت أن جاذبية هذا الأدب لا تقتصر على التشويق، بل تمتد إلى تحفيز العقل الواعي على التحليل وربط الأدلة، والتفاعل مع الشخصيات، إلى جانب ما قد يمنحه القارئ من شعور بالتعاطف أو تحقيق العدالة والانتصار للمظلوم. كما أشارت إلى أن العقل يفرز هرمونات مرتبطة بالسعادة مع قراءة مثل هذه الروايات كالدوبامين والسيروتونين والإندورفين.

وتوقفت عند جذور هذا اللون الأدبي في التراث العربي، مستشهدة بقصة "التفاحات الثلاث" من "ألف ليلة وليلة"، باعتبارها أول عمل أدبي عن الجريمة، إذ تدور أحداثها في عهد هارون الرشيد، حين يعثر صياد على صندوق في النهر بداخله جثمان امرأة، ويُكلّف جعفر البرمكي بكشف غموض الجريمة.
ولفتت داود إلى استمرار تأثير شخصية شيرلوك هولمز في الروايات والأعمال السينمائية والتلفزيونية، رغم مرور أكثر من قرن على ظهورها، بفضل تكوينه كشخصية رمادية تجمع بين الذكاء الاستثنائي في التحقيق، والقصور في التعامل الاجتماعي والعاطفي.
ليست كل جريمة رواية بوليسية
وأكدت داود أن تسمية "الرواية البوليسية" ليست دقيقة دائماً، فليس كل عمل أدبي يتضمن جريمة ينتمي بالضرورة إلى أدب الجريمة، موضحة أن العنصر الأهم هو وجود شخصية تتولى البحث عن الحقيقة وحل اللغز ومعرفة القاتل، دون أن يكون المحقق شُرطياً بالضرورة؛ فقد يكون شخصاً عادياً تقوده الأحداث إلى كشف الحقيقة.
واستعرضت ستة أنماط رئيسية لأدب الجريمة هي: الجريمة التقليدية، الجريمة القاتمة، والجريمة النفسية، والجريمة الخشنة، والجريمة التاريخية، وجريمة التجسس؛ ففي النمط التقليدي ينصبّ التركيز على هوية الجاني والأدلة والدوافع والحجج الغائبة، مع نهاية تحقق العدالة. أما القاتمة فتعتمد على الأجواء القاتمة والشخصيات المضطربة والفساد، وغالباً ما تقدّم نهايات أقل تفاؤلاً.
وفي الجريمة النفسية تتصدر الحالة الذهنية للشخصيات والأسرار الداخلية المشهد، بينما يركز النمط العنيف (الخشن) على المواجهات الدموية والأسلحة والعصابات والمحقق الصلب. أما الجريمة التاريخية فتستند إلى حقبة أو واقعة تاريخية حقيقية، مع توظيف شخصيات ذات خلفية معرفية أو ثقافية.

عناصر الجريمة وبناء التشويق
وانتقلت الورشة إلى العناصر الأساسية لأي جريمة روائية، وهي الجاني والضحية والدافع والوسيلة والفرصة، موضحة أن الجريمة تمثل مركز البناء، بينما تتشكل حولها الشخصيات والأحداث والأماكن ونقاط الضغط.
وفي محور بناء الحبكة، أكدت داود أهمية تحديد الصراع الذي تقوم عليه الرواية، والعلاقات بين الشخصيات، مع ضرورة معرفة الكاتب تفاصيل شخوصه، بما يشمل نقاط القوة والضعف، والمظهر الخارجي والأبعاد النفسية، والدوافع والماضي، وتوقيت ظهور كل شخصية في الأحداث، وشبكة علاقاتها بالآخرين.
كما تناولت تقنيتين مهمتين في كتابة أدب الجريمة، هما "الرنجة الحمراء (Red Herring)، التي تقوم على توجيه انتباه القارئ إلى مسار مضلل، و"بندقية تشيخوف"، التي ترتبط بضرورة أن يكون للتفاصيل والعناصر التي يقدمها الكاتب في العمل دور أو دلالة لاحقة.
وفرّقت بين خلق التوتر (Tension) والتواء الحبكة (Plot Twist)، فالأول يقوم على إبقاء القارئ في حالة ترقب وقلق بشأن ما سيحدث، بينما يمثل الثاني تحولاً مفاجئاً يعيد تشكيل فهمه للأحداث أو يكشف حقيقة لم يكن يتوقعها.
وشددت على أهمية الافتتاحية المشوقة، أو ما يُعرف بـ"The Hook"، باعتبارها الخطاف الذي يجذب القارئ منذ البداية، ويثير أكبر قدر ممكن من الأسئلة في ذهنه، مع تفضيل الانطلاق من لحظة تغيير تضع الشخصية أمام حدث يخلخل مسار حياتها ويدفع القصة إلى الأمام.
واختتمت بشرح محطات بناء الحبكة، من الافتتاح والتمهيد، مروراً بنقاط التحول وتصاعد الأحداث والذروة، وصولاً إلى الانفراج والحل، مستعينة بقصة النبي يوسف عليه السلام نموذجاً تطبيقياً يوضح كيف يمكن لحلم في البداية أن يقود إلى سلسلة من الصراعات والتحولات، قبل كشف الحقيقة وتحقيق المصالحة في النهاية.













